تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري
21
مباحث الأصول
وكلَّيّا ، عاد ما ذكرناه من البرهان من أنّنا نعلم بأنّ الجامع لا يوجد إلَّا مع التعيّن في ضمن فرد ، والانطباق عليه ، فلا بدّ من انتهاء الأمر إلى تعلَّق العلم بالفرد . ولا يكفي أن يقال : إنّنا نعلم بالجامع مفروغا عن انطباقه ، أي : نعلم أنّه وجد الجامع منطبقا على الفرد ، فإنّنا نعيد الكلام في هذا الانطباق المعلوم فنقول : هل نعلم بجامع الانطباق ، أو بانطباق معيّن ؟ فإن علمنا بانطباق معيّن فقد آل الأمر إلى تعلَّق العلم بالفرد ، وإن علمنا بجامع الانطباق أعدنا برهان العلم بأنّ الجامع لا يوجد إلَّا في ضمن الفرد . ولا أدري ألهذا أو لغير هذا أقام المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه صرح المبنى الثالث . المبنى الثالث : وهو تعلَّق العلم بالواقع ، وإنّ الفرق بين العلم الإجماليّ والتفصيليّ إنّما هو في نفس العلم ، أو قل في المعلوم بالذات . وقد ذكر المحقّق العراقي ( 1 ) رحمه اللَّه : أنّه بلغني عن بعض من يدّعي الفضل من أهل العصر أنّه لا فرق بين العلم الإجماليّ والتفصيليّ من ناحية نفس العلم ، وإنّما الفرق من ناحية المعلوم الخارجيّ ، ففي العلم التفصيليّ يعلم بالواقع ، وفي العلم الإجماليّ يعلم بالجامع ، والصحيح : أنّ العلم سواء كان إجماليّا أو تفصيليّا يتعلَّق بالواقع ، وينكشف به الواقع ، إلَّا أنّ الفرق في نفس العلم والانكشاف ، أو قل : المعلوم بالذات ، والمنكشف بالذات ، فقد يكون الانكشاف انكشافا تامّا وتفصيليّا ، وأخرى يكون انكشافا مجملا وغير واضح ، أي : أنّ الفرد قد ينكشف بصورته المفصّلة ، وقد ينكشف بصورة مشوّشة . ولو أردنا أن نشبّه العلم الإجماليّ بحسب ما يقوله هو قدّس سرّه بالإحساسات الخارجيّة - وإن لم يشبّهه هو - قلنا : إنّ شخصين يريان جسما ، أحدهما يراه من قريب ، والآخر يراه من بعيد ، فهو يرى شبحا لا يدري أنّه إنسان أو حيوان أو شجر مثلا ، فكلّ من هذين الشخصين يتعلَّق إحساسهما بالواقع المعيّن الواحد ، لكنّ أحدهما إحساس تفصيليّ ، والآخر إجماليّ ومشوّش وغير واضح ، فمثل هذا الفرق الثابت بين الإحساسين الظاهريّين نتصوّره بين الإدراكين الباطنيّين . هذا ، والمحقّق العراقيّ رحمه اللَّه لا يقيم في صريح عبارته برهانا على مبناه من أنّ
--> ( 1 ) راجع المقالات : ج 2 ، ص 84 ، ونهاية الأفكار : القسم الثاني من الجزء الثالث ، ص 309 . .